الشيخ محمد النهاوندي
128
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
يَوْمٍ وآن كائن هُوَ فِي شَأْنٍ من شؤون رحمانيته وربوبيته وفيّاضيته ، ولا يشغله شأن عن شأن . عن النبي صلّى اللّه عليه وآله : « أنّ الربّ لينظر إلى عباده كلّ يوم ثلاثمائة وستين نظرة ، يخلق ويرزق ويحيي ويميت » ويعزّ ويذلّ ، ويفعل ما يشاء ، فذلك قوله تعالى : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ » « 1 » . وفي الحديث : « من شأنه أن يغفر ذنبا ، ويفرّج كربا ، ويرفع قوما ، ويضع آخرين » « 2 » . عن مقاتل ، قال : نزلت الآية في اليهود حين قالوا : إنّ اللّه لا يقضي يوم السبت شيئا ، ففيها رد لهم « 3 » . وقيل : إنّ قوله : هُوَ فِي شَأْنٍ صفة اليوم ، والمعنى : أنّ في كلّ يوم هو في شأن ، يسأله من في السماوات والأرض ، لا اليوم الذي فيه في شأن ، وهو اليوم الذي يهلك جميع الموجودات ، ويقول : لِمَنِ الْمُلْكُ « 4 » فانّ فيه لا يبقى أحد يسأله ، فهو السائل وهو المجيب « 5 » . أقول : الظاهر أنّه إخبار بعد إخبار . ثمّ إنّه تعالى لمّا ذكر إفاضته إلى جميع الخلق بنعمه التي لا تحصى ، طالبهم بالإقرار والشّكر بقوله : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ . [ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 31 إلى 32 ] سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ ( 31 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 32 ) ثمّ لمّا أخبر سبحانه بتوجّهه في الدنيا إلى شؤون خلقه ، أخبر بأنّه في الآخرة يصرف عن تلك الشؤون الدنيوية وبتوجّه إلى شؤونهم من الحساب وجزاء الأعمال بقوله : سَنَفْرُغُ لَكُمْ وعن قريب نتجرّد عن الاشتغال بأمور دنياكم لحساب أعمالكم ومجازاتكم عليها أَيُّهَ الثَّقَلانِ وسنقصدكم أيّها الجنّ والإنس . وإنّما سمّيا بالثّقلين لرزانة رأيهما على قول ، أو لعلو قدرهما في الموجودات على آخر ، أو لتشبيه الأرض بالحمولة ، وجعل الإنس والجنّ أثقالا محمولة عليها على ثالث « 6 » . وعن الصادق عليه السّلام : « سمّيا ثقلين لأنّهما يثقلان بالذنوب » « 7 » . وقيل : إنّ الكلام مسوق للتهديد « 8 » بشدّة الاهتمام بأمرهم ، وليس المقصود حقيقة الفراغ ، فانّ السيّد يقول عند الغضب لعبده : سأفرغ لك ، مع كونه فارغا جالسا لا يمنعه شغل « 9 » . ثمّ لمّا كان تعذيب الكفّار في القيامة ، وصرفه عن المؤمنين نعمة عظيمة عليهم ، والتنبيه عليهما
--> ( 1 ) . مجمع البيان 9 : 306 ، تفسير روح البيان 9 : 300 . ( 2 ) . مجمع البيان 9 : 306 ، تفسير الصافي 5 : 110 ، تفسير روح البيان ، 9 : 300 . ( 3 ) . مجمع البيان 9 : 306 ، تفسير الصافي 5 : 110 ، تفسير روح البيان ، 9 : 300 . ( 4 ) . غافر : 40 / 16 . ( 5 ) . تفسير الرازي 29 : 109 . ( 6 ) . تفسير روح البيان 9 : 301 . ( 7 ) . تفسير روح البيان 9 : 301 . ( 8 ) . تفسير الرازي 29 : 110 . ( 9 ) . تفسير الرازي 29 : 111 .